مجمع البحوث الاسلامية

583

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

كبيرة حرّم عليهم نوع من الطّيّبات ، عقوبة لهم . ( 1 : 445 ) ابن عطيّة : وذهب كثير من المفسّرين إلى أنّ معنى الآية : الرّدّ على اليهود في قولهم في كلّ ما حرّموه على أنفسهم من الأشياء : إنّها محرّمة عليهم بأمر اللّه في التّوراة ، فأكذبهم اللّه بهذه الآية ، وأخبر أنّ جميع الطّعام كان حلّا لهم ، إلّا ما حرّم إسرائيل على نفسه خاصّة ، ولم يرد به ولده ، فلمّا استنّواهم به جاءت التّوراة بتحريم ذلك عليهم ، وليس من التّوراة شيء من الزّوائد الّتي يدّعون أنّ اللّه حرّمها ، وإلى هذا تنحو ألفاظ السّدّيّ . وقال : إنّ اللّه تعالى حرّم ذلك عليهم في التّوراة عقوبة لاستنانهم في تحريم شيء إنّما فعله يعقوب خاصّة لنفسه ، قال : فذلك قوله تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ النّساء : 160 . والظّاهر في لفظة ( ظلم ) أنّها مختصّة بتحريم ونحوه ، يدلّ على ذلك أنّ العقوبة وقعت بذلك النّوع . وذهب قوم من العلماء إلى أنّ معنى الآية : الرّدّ على قوم من اليهود قالوا : إنّ ما نحرّمه الآن على أنفسنا من الأشياء الّتي لم تذكر في التّوراة ، كان علينا حراما في ملّة أبينا إبراهيم . فأكذبهم اللّه وأخبر أنّ الطّعام كلّه كان حلالا لهم قبل التّوراة إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ في خاصّته ، ثمّ جاءت التّوراة بتحريم ما نصّت عليه ، وبقيت هذه الزّوائد في حيّز افترائهم وكذبهم . وإلى هذا تنحو ألفاظ ابن عبّاس رضي اللّه عنهما ، وترجم الطّبريّ في تفسير هذه الآية بتراجم ، وأدخل تحتها أقوالا توافق تراجمه ، وحمل ألفاظ الضّحّاك : أنّ الاستثناء منقطع . وكأنّ المعنى : كلّ الطّعام كان حلّا لهم قبل نزول التّوراة وبعد نزولها . فيرجع المعنى إلى القول الأوّل الّذي حكيناه ، وحمل الطّبريّ قول الضّحّاك إنّ معناه : لكن إسرائيل حرّم على نفسه خاصّة ، ولم يحرّم اللّه على بني إسرائيل في توراة ولا غيرها . وهذا تحميل يردّ عليه قوله تعالى : حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ الأنعام : 146 ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « حرّمت عليهم الشّحوم » ، إلى غير ذلك من الشّواهد ، وقوله تعالى : حِلًّا معناه : حلالا ، و « اسرايل » هو يعقوب ، وانتزع من هذه الآية أنّ للأنبياء أن يحرّموا باجتهادهم على أنفسهم ما اقتضاه النّظر لمصلحة أو قربة أو زهد ، ومن هذا على جهة المصلحة تحريم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم جاريته ، فعاتبه اللّه تعالى في ذلك ولم يعاتب يعقوب ، فقيل : إنّ ذلك لحقّ آدميّ ترتّب في نازلة نبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم . وقيل : إنّ هذا تحريم تقرّب وزهد ، وتحريم الجارية تحريم غضب ومصلحة نفوس . واختلف النّاس في الشّيء الّذي حرّمه يعقوب على نفسه ، فقال يوسف بن ماهك : جاء أعرابيّ إلى ابن عبّاس فقال له : إنّه جعل امرأته عليه حراما ، فقال ابن عبّاس : إنّها ليست عليك بحرام ، فقال الأعرابيّ : ولم ؟ واللّه تعالى يقول في كتابه إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ فضحك ابن عبّاس ، وقال : وما يدريك ما حرّم إسرائيل ؟ ثمّ أقبل على القوم يحدّثهم ، فقال : إنّ إسرائيل عرضت له الأنساء فأضنته ، فجعل للّه إن شفاه من ذلك